الجدال والمراء
قال تعالي : " مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إلاَّ الذِينَ كـَفـَرُوا فـَلا يَغْرُرْكَ تـَقـَلُبُهُم فِي البـِلادِ " ( سورة غافر الاية3 ) .
الجدال نوعان :
جدال في تقرير الحق ، وجدال في تقرير الباطل .
أما الأول فهو حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " وجادلهم بالتي هي أحسن " .
وأما الثاني فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية ، فجدالهم في آيات الله هو قولهم مرة هذا سحر ومرة هو شعر ، وهكذا . ( الفتوحات الإلهية جـ4 )
والجدال يعني المناقشة الهادئة في سبيل نشر الحق والوصول إليه فقد قال تعالى : وجادلهم بالتي هي أحسن " النحل 125. وعند ذلك تكون تلك المجادلة مطلوبة لأنها وسيلة من وسائل الدعوة شرط خلوها من نوازع النفس الشريرة وإخلاص النية فيها لله تعالى , والدعوة ليست جدلا محضا بل هي فعل وامتثال لأوامر الله تعالى وتطبيق ذلك علي النفس أولا , ثم إيضاح ذلك للناس بالجدال بالتي هي أحسن ,
والناس يقتنعون بالفعل والقدوة الحسنة ما لا يقتنعون بحسن الكلام وقوة الحجة .
ومن هذا نعرف أن هناك جدال وهناك مراء
عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أتوا الجدال " رواه الترمذي واحمد وابن ماجه والحاكم .
وقال الله تعالى : من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله علي ما في قلبه وهو ألد الخصام " البقرة 204.
فالمراء نوع من الجدال يتضمن عادة حب ظهور
المجادل علي خصمه وتشفيه بخذلانه أو حسده إن حدث العكس وبغضه أو عدم قبول الحق الذي قاله عنادا وتكبرا, وقد يلجأ المخاصم إلى الكذب أو إخفاء الحق والسب والشتم وتعيير الخصم أو غيبته, وهكذا فالمراء مثير لكل هذه الآفات النفسية التي لا تليق بالمؤمن.
وهناك بعض الناس من جبل علي حب هذا النوع من الجدال وهذه غريزة مذمومة وعليه مقاومة دوافعها ومعالجتها بكبح جماح النفس ومنعها من الاستمرار بالجدال حتى ولو كان علي يقين بأنه علي حق وخصمه علي الباطل . فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا , وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا " رواه الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه .
ويزداد حب الظهور والعجب بالنفس علي أشده إذا حضر أشخاص آخرون هذا الجدال ,
وهكذا يتصيد الشيطان فرائسه في ساعات الغفلة فيغويهم ويقودهم إلى الاختلاف والشقاق
بعد أن كانوا علي هدى واجتماع .
منقول