شدّدْ عليّ وخفّف على أمتي
كنت في بحبوحة صباي أسمع من خطباء المنبر قول النبي صلى الله عليه وآله لملك الموت: (شدّد عليَّ وخفّف على أمتي)، وكنّا نسمع هذه العبارة في يوم وفاة الرسول (ص). كان يخطر في بالي تساؤل: لماذا لم يقل رسول الله (ص): (خفّف عليَّ وخفّف على أمتي؟)، ففتحت عيني في هذه الحياة فرأيت هذه الكلمات أنّها تخالف القرآن، سواء كلمة (أمتي) خاصة بالمسلمين أو تشمل الكفار، فالقاعدة القرآنية الأساس هي قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة الأنعام 164]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة الإسراء: 15].
نعم من الأمور الثابتة في اعتقاداتنا هي شفاعة النبي (ص) يوم القيامة، لورودها في القرآن بعد أن تفسّر الآية ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [سورة الإسراء: 79]. والمقام المحمود هو الشفاعة بحسب الروايات، والمثال ما ورد في (الأمالي) للصدوق (ره): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إذا قمت المقام المحمود تشفّعت في أصحاب الكبائر من أمتي، فيشفعني الله فيهم، والله لا تشفعت فيمن آذى ذريتي".
والرواية تصح أن تكون مصداقًا للآية، دون حصرها، بل يصح أن يكون غيرها من المصاديق الأخرى.
ونقّبْتُ عن هذا الحديث في الكتب القديمة فلم نجده، فعرفت أنّ هذا الحديث يتناقل على ألسنة الخطباء أيّدهم الله ووفّقهم، إنّما كان ذلك لتحشيد نفوس السامعين وإظهار البكاء على رسول الله (ص) في يوم سكراته. ولكنّ الخطورة تكمن في رواية متواترة عند الفريقين (من كذب عليَّ متعمّدًا فليتبوأ مقعده من النار)، فليتفطّن السليم وليتورّع التقي، فيلزم من الخطيب التفحص من المرويات الزائفة قبل أن يتفوّه بشفة؛ لأنّ خطورة المسألة هي وغيرها تقع بينه وبين الله قبل أن تقع بينه وبين الناس.
والنتيجة أنّ قول (شدّد عليَّ وخفّف على أمتي) لا أصل له، كما أنّ أهل السنة ينقلون نفس الحديث في المعنى، ويسألون مشايخهم عن صحة هذا الحديث فيجيبوا بأنه لا أصل له، بل هو مكذوب، وهو كالتالي:
كذلك عندهم هذا الحديث: "في أثناء وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، شعَر بسكرات الموت، وقال: آه، إنّ للموت لسكراتٍ! وطلب من ملَك الموت أن يرفق به، فنزل عليه ملَك من السماء، وقال: يا محمد، إنّ السلام يقرئك السلام، ويقول لك: إنه خفَّف عنك بضعًا وعشرين سَكرة، وكلّ سَكرة كتقطيع السيوف، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصارع الموت: اللهم شدِّد عليَّ سكرات الموت، وخفِّف عن أمَّتي، وأعادها ثلاثًا
منقول
كنت في بحبوحة صباي أسمع من خطباء المنبر قول النبي صلى الله عليه وآله لملك الموت: (شدّد عليَّ وخفّف على أمتي)، وكنّا نسمع هذه العبارة في يوم وفاة الرسول (ص). كان يخطر في بالي تساؤل: لماذا لم يقل رسول الله (ص): (خفّف عليَّ وخفّف على أمتي؟)، ففتحت عيني في هذه الحياة فرأيت هذه الكلمات أنّها تخالف القرآن، سواء كلمة (أمتي) خاصة بالمسلمين أو تشمل الكفار، فالقاعدة القرآنية الأساس هي قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة الأنعام 164]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة الإسراء: 15].
نعم من الأمور الثابتة في اعتقاداتنا هي شفاعة النبي (ص) يوم القيامة، لورودها في القرآن بعد أن تفسّر الآية ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [سورة الإسراء: 79]. والمقام المحمود هو الشفاعة بحسب الروايات، والمثال ما ورد في (الأمالي) للصدوق (ره): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إذا قمت المقام المحمود تشفّعت في أصحاب الكبائر من أمتي، فيشفعني الله فيهم، والله لا تشفعت فيمن آذى ذريتي".
والرواية تصح أن تكون مصداقًا للآية، دون حصرها، بل يصح أن يكون غيرها من المصاديق الأخرى.
ونقّبْتُ عن هذا الحديث في الكتب القديمة فلم نجده، فعرفت أنّ هذا الحديث يتناقل على ألسنة الخطباء أيّدهم الله ووفّقهم، إنّما كان ذلك لتحشيد نفوس السامعين وإظهار البكاء على رسول الله (ص) في يوم سكراته. ولكنّ الخطورة تكمن في رواية متواترة عند الفريقين (من كذب عليَّ متعمّدًا فليتبوأ مقعده من النار)، فليتفطّن السليم وليتورّع التقي، فيلزم من الخطيب التفحص من المرويات الزائفة قبل أن يتفوّه بشفة؛ لأنّ خطورة المسألة هي وغيرها تقع بينه وبين الله قبل أن تقع بينه وبين الناس.
والنتيجة أنّ قول (شدّد عليَّ وخفّف على أمتي) لا أصل له، كما أنّ أهل السنة ينقلون نفس الحديث في المعنى، ويسألون مشايخهم عن صحة هذا الحديث فيجيبوا بأنه لا أصل له، بل هو مكذوب، وهو كالتالي:
كذلك عندهم هذا الحديث: "في أثناء وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، شعَر بسكرات الموت، وقال: آه، إنّ للموت لسكراتٍ! وطلب من ملَك الموت أن يرفق به، فنزل عليه ملَك من السماء، وقال: يا محمد، إنّ السلام يقرئك السلام، ويقول لك: إنه خفَّف عنك بضعًا وعشرين سَكرة، وكلّ سَكرة كتقطيع السيوف، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصارع الموت: اللهم شدِّد عليَّ سكرات الموت، وخفِّف عن أمَّتي، وأعادها ثلاثًا
منقول